لغة الحب في رواية “لحظات لا غير” لا تحتاج إلى ترجمة…

أمل صيداوي

 قصة البطلة

أزمة الطلاق وفراغ الروح

     تدور أحداث الرواية حول أسماء، وهي طبيبة نفسية ناجحة تجد نفسها في مواجهة فراغ داخلي عميق وإفلاس معنوي لاسيما بعد طلبها الطلاق من زوجها الذي كان لايأبهلها ويمارس حياته الزوجية معها وكأنه يقوم بواجبات روتينية لاتتخللها عاطفة ولاأحاسيس. كانت أسماء تمارس حياتها اليومية، كما  تقوم بالسفر إلى باريس من حين لآخر لمعالجة مرض سرطان الثدي الذي ألمّ بها، واعتقدت أن هذه هي الحياة… أما الآن وبعد أن وقعت في حب وحيد فقد أصبحت إنسانة أخرى… إنسانة تحس بالسعادة، وتطوف مع الأحلام، فتغيّرت نفسيتها

وقراراتها. 

إنها رواية استعادة حبّ الحياة والولادة من جديد، وكأن روحاً نُفخت في أسماء فشعرت بحالة من السلام الداخلي والانسجام والتناغم بين جسدها وروحها، وكما قال شمس الدين التبريزي: “دع الروح تحتويك بالحب لتنزع من نفسك الأشواك التي أدمت قلبك”. فالطبيبة أسماء تستعيد جسدها بعد أن رفضت سابقًا فكرة إجراء عملية تجميل إثر استئصال ثديها. لم تعد ذكرياتها المؤلمة مع طليقها تُشعرها بالإحباط، وأما الشاعر وحيد الذي جاء إلى عيادتها إثر محاولة انتحار، فإنه يستعيد حبّه للحياة بعد علاجها النفسي له من الاكتئاب.

  أولت الروائية فاتحة مرشيد اهتمامًا بالمرأة بوصفها الكائن الذي يشكّل المجتمع ويتشكل به، ويقف في قلب الصراع بين العقل والقلب، وبين الماضي والحاضر، والمستقبل، وقد انعكس هذا الاهتمام في مراحل تطور الرواية، وهي بذلك تتجاوز مجرد تصوير المعاناة الفردية إلى مساءلة ماهية الأنثى، وإعادة صياغة مفاهيم متعلقة بها مثل: الحب، والجسد، والوعي، والمصير ففتحت كوّة على مشاكل المرأة ومعاناتها مما شدّنا إليها لنتلّمس واقعنا، ونطل من خلال الرواية على عالم نسجته الأديبة من خيوط الحياة، كما أعطى أسلوب الأديبة للرواية نكهتها المميزة فكانت شخصياتها تتحرك من ثنايا السطور كي يشعر القارئ وكأنه يشاهد الرواية بناظريه وكأنها حيّة أمامه، وأن الطبيبة أسماء حقيقة لا كلمات. تقول الراوية أسماء: “كانت أمنيتي لسنوات أن أكون فخورة بثديين عطوفين وأنا أرضع طفلي…..ثم تتابع القول: أُجهض أملي بعد عملية الإجهاض التي أجبرني عليها زوجي السابق وأنا لازلت طالبة..تتابع قولها: تمت عملية الإجهاض في  ظروف سيئة خلّفت مضاعفات تسببت في عقم مكتسب“. صفحة 75

الأسلوب الفلسفي والسرد الداخلي:

  تتميز الرواية بأسلوبها “الذهني” المعتمد على تيار الوعي والمونولوج الداخلي في حوارها مع نفسها:

“وأنا هل أحببته؟ أجل أحببته بكل مايفعله الحب الأول من تفان، وصدق، ورومانسية مفرطة، وأحلام تمتد العمر

كله”. صفحة 34 تكلّمت هنا الراوية عن طليقها.

ثم في حوار الطبيبة أسماء مع نفسها حول جلسات علاجها النفسي  للمريض وحيد وفي المقاطع التالية:

في الطريق إلى بيتي أحسست برهبة تنتابني وأسئلة تلحّ علي : “كيف أعادتني حصص علاجه إلى نفسي؟

أتراني أحلله أم إنه يحللني؟” .صفحة 35 فإننا نشعر أنها بدأت بفهم نفسها أيضًا من خلال علاجها لمريضها.

كما تعتمد الرواية على المونولوج بين وحيد والطبيبة أسماء: 

“أتظنين أنني قد شفيت فعلًا من سوداويتي؟”

“وستقولين أيضًا إنه ليس ثمة أفظع من حياة نقضيها في الندم. بل وأقول أكثر من ذلك إن ندم الحياة نفسها هو الموت”.

نظرتُ إليه، غمرني إعجاب بذكاء هو أول ما لاحظت بعينيه في أول حصة، وأنا أختم حصصنا :

“سأقول إنّكَ وضعت كلمات على جراحك وهذه بداية العلاج”. صفحة: 49

“كسرتُ الصمت بسؤال بدا لي أن الوقت قد حان لطرحه :

– “أتشعر أنك مذنب وأنك تستحق العقاب؟

 – أعلم أنني لست الإله، ولكني أؤمن بحدوث ما نرغب فيه”. صفحة 47  

   تركّز الأديبة فاتحة مرشيد على الصراع النفسي الداخلي لبطلة الرواية التي كانت مترددة بين قَسَم أبقراط

الذي يُلزِمها بألا تقيم علاقة حب مع مريضها وبين عشقها لمريضها الذي جعلها تصغي لصوت العاطفة. هذا

الأسلوب أتاح للأديبة طرح أسئلة كبرى حول الموت، والوجود، والسعادة حيث ذكرت الراوية الطبيبة أسماء

لدى زيارتها لمقبرة “مونبارناس” في باريس: ” بالأمس زرت مقبرة “مونبارناس” التي ككل متاحف باريس

لاتخلو من إبداعْ القبور مرصعة بالرخام ….  وبصور أصحابها …صور بكل الأعمار تذكرك أن الموت 

لاعمر له، تتابع بقولها: تُحسّ وأنت بالمقبرة بنوع من السكينة والراحة.. تُدرك أن للموت جمالية خاصة تُسقط 

عنك كل رهبة وخوف”. صفحة69.

من الصعب أن نفصل بين فاتحة مرشيد الطبيبة، وفاتحة مرشيدالشاعرة، وفاتحة مرشيد الفيلسوفة، لأن هذه

العوالم الثلاثة تبدو وكأنها سيمفونية رائعة تُعزف فيها عدة آلات موسيقية لترسل أجمل الألحان. 

نجد فاتحة مرشيد الطبيبة والفيلسوفة في المقطع التالي

قلت كمن يلخص الموقف : “كلنا تمنينا موت شخص آلمنا ولو مرة في حياتنا، هذا إحساس إنساني إذ بين الحب

والكراهية خيط رفيع، والكراهية حدّ الموت لا يولّدها إلا حب حدّ الموت، ولا أحد يموت بالتمني”. صفحة 47 

أما فاتحة مرشيد الشاعرة فنجدها في المقاطع التالية  

“بلون القمح، بلون الأرض الخصبة المعطاء، الضاجة بالحياة

تخفي تحت كبرياء قوة ظاهرة لين أحاسيس فطرية. إذ تنبسط تبدو بحجم المدى، وإذ تطبق تصبح رحما للحنان”. صفحة 59 وصفحة 60 

ثم تتابع كتابتها بقولها: “تحس أمامها بضعف شديد وتتمنى لو تصبح عجينا ليّنًا بكفيها، تدلكك، تميتك، تبعثك من

جديد، تنحتك على هواها عساها تفتتن بك كما افتتنت بها”. يداه. بتلك الكلمات وصفت الأديبة من خلال الراوية

مجسّمات الأيدي من أعمال الفنان الفرنسي رودان.

 تحضر صورة اللغة والأسلوب بكل طاقتها التعبيرية في الرواية، استخدمت الروائية لغة شاعرية إنشائية قائمة

على الإيحاء الغيري والإيحاء الذاتي والانزياح.

الإيحاء الغيري:

    في حوار الطبيبة أسماء مع عبد اللطيف وهو أحد المعتقلين السياسيين سابقًا والذي تم تعذيبه في السجن

وعند خروجه كان يعاني من مرض السكري ومن المحتمل أن يخضع لعملية بتر إحدى قدميه تقول الطبيبة أسماء في سياق الرواية: “سألني هل أفكر في تطوير  ونشر كتاباتي؟ قلت مرتبكًة أخاف ألا تُعجب أحدًا أجابني بثقة من صفى حساباته مع العالم : “المهم أن تعجبك أنت”. خاطب أنوثتي .. سمعني أنا التي جئت لأسمعه ..

“غادرته وأنا أكثر ثقة بنفسي”. صفحة: 25، وهذا هو بيت القصيد إذ أوحى عبد اللطيف إلى الطبيبة بكلماته المشجعة أنّ عليها الوثوق بموهبتها الأدبية.

الإيحاء الذاتي:

 استخدمت الطبيبة أسماء الإيحاء الذاتي فيما يلي: “عجبت كيف منحني المرض قوة اتخاذ قرارات حاسمة لم أقوَ على اتخاذها وأنا سليمة معافاة. كان قراري الأول واضحا وضوح الشمس : لو بقي لي يوم واحد في هذه الحياة سأعيشه وأنا حرّة حتى ولو كتب لي أن أقضيه على فراش السقم”. صفحة53 هذا القرار كان بطلب الطلاق من زوجها.

الانزياح:

      استخدمت الأديبة الانزياح في جواب المريض النفسي وحيد على سؤال الطبيبة أسماء

لماذا قررت أن تضع حدًا لحياتك؟

– “لنقل إن الحياة قررت أن تضع حدًا لي”. صفحة 9

وفي عنوان ديوان للشاعر وحيد: ” شظايا الشمس” صفحة 14

وفي نص شعري للشاعر وحيد: “فبعد رحيل الشمس” صفحة15.ويقصد بذلك بعد رحيل والدته.

كما استخدمت الأديبة الانزياح في قولها في المقطع الثاني من الجملة التالية:

“كل جوع يهون إلا جوع الحب يا حبيبتي” صفحة 13.دلالة على تعلق الطبيبة أسماء الشديد ومحبتها لوالدتها.

وفي قول وحيد: ” الغضب كالحب أعمى” صفحة 20. في إشارة لموقفه من زوجة أبيه التي كان يكرهها لأنه

كان مؤهلاً نفسياً لكراهية كل امرأة تأخذ مكان والدته.

دلالات قول وحيد: ” ثمة تجارب في الحياة لايمكن أن نخرج منها سالمين”؟ صفحة 25:

      بعض المواقف (مثل فقدان عزيز) تخلق ندوباً نفسية وتكسر جزءاً من الطمأنينة الداخلية، وتترك أثراً يتطلب وقتاً طويلاً للتعافي.

ما يلاحظه القارئ هو ثقافة شخصية “وحيد” من خلال استعماله لألفاظ فرنسية نظراً لدراسته في جامعة السوربون تقول الراوية أسماء:ثم أضاف بالفرنسية وبصوت خافت كمن يسر بشيء مخجل، اعترافًا من سيغموند فرويد لصديقه ويليام فلييس :

<<< Celui de mes malades qui me préoccupe le plus, c’estmoi même. >>صفحة 8

الترجمة: “أكثر شيء يشغلني من بين أمراضي هو نفسي ذاتها” أي أنه يقصد بذلك إرادته الحقيقية بالشفاء.

باختصار:

 رواية لحظات لاغير للأديبة فاتحة مرشيد رواية رومانسية جميلة تنطلق من العاطفة، وتفكك الجسد، وتنسج

حبكتها من وقائع الحياة، ومن جمال اللغة ومن غنى الشعر، وتصنع نموذجًا عاليًا للتقنية، وهي رواية شديدة

التأثير أخذتنا بتحليلها النفسي لشخصية المريض إلى أعماق النفس الإنسانية فانتشلت منها الذكريات المؤذية

والتي تؤدي بصاحبها إلى الاكتئاب وزرعت فيه الفرح والتفاؤل بأن على هذه الأرض مايستحق الحياة.