إبراهيم محمود: هذا الكاتب الذي يطارد ما ننساه..

أحمد عسيلي

لم أعد أذكر على وجه الدقة في أي سنة كان ذلك، لكنها كانت على الأرجح بين عامي 2004 و2006، حين وقعت عيناي للمرة الأولى على اسم إبراهيم محمود فوق غلاف كتاب يتحدث عن الملذات في الجنة ، يومها لم أستطع مقاومة إغراء شرائه وقراءته فورًا ، أنا القادم من بيئة اسلامية ، و قد تربيت، مثل كثيرين، على تلك الأوصاف الحسية التي كنت أجدها في بعض الكتب الدينية ، و أخص هنا كتاب الجواهر في عقوبة أهل الكبائر ، والتي كانت صفحاته الأخيرة التي تتحدث عن نعيم الجنة ملازمة لي في يومي كله ،كانت هذه النصوص تفتح أمامي أبواب عالم خيالي كامل، عالم تتجاور فيه الرغبة مع المقدس، والجسد مع الوعد الأخروي. 

من هناك بدأ التعارف الأول مع إبراهيم محمود ، لم يكن كاتبًا يهرب من المناطق المحرمة، بل على العكس، بدا وكأنه يتعقبها عمدًا ، كان ينجذب إلى ما يُترك عادة في الهامش: الجنس، والرغبة، والجسد، والتصوف، والأسطورة، وكل ما اعتادت الثقافة الرسمية أن تنظر إليه بريبة أو حرج ، ومع مرور السنوات، أدركت أنني أمام كاتب استثنائي بحق ، لم يكن اهتمامه مقتصرًا على المسكوت عنه في التاريخ والحضارة فحسب، بل امتد إلى الدين والجسد واللغة والهوية الكردية ، كانت الكتابة بالنسبة إليه أشبه بمغامرة دائمة، أو اختبار مستمر للحدود التي يفرضها المجتمع والثقافة على التفكير والكلام. 

خاض إبراهيم محمود خلال مسيرته في حقول معرفية متباعدة ظاهريًا، لكنه كان يعود في كل مرة إلى السؤال ذاته: ماذا نفعل بما تم إقصاؤه أو تجاهله أو دفنه في الهامش؟ ولهذا يصعب تصنيفه ضمن خانة واحدة ، فهو باحث في التصوف والأسطورة، ومؤرخ للهويات المنسية، ومتابع عنيد لتفاصيل الجسد والثقافة ، كان أقرب إلى رحالة ثقافي منه إلى باحث أكاديمي بالمعنى التقليدي للكلمة.

ولأنني أعرف أنني أكتب ضمن ملف خاص بإبراهيم محمود، لا ضمن دراسة شاملة لمجمل أعماله، فسأكتفي بالتوقف عند كتابين أراهما من أكثر كتبه قدرة على التعبير عن طبيعة مغامرته الكتابية ، كتابان يبدوان، للوهلة الأولى، متباعدين إلى حد التناقض. الأول هو “معذبو النور”، الصادر عن دار تموز عام 2015، والثاني “الجسد المخلوع”، الصادر عن دار نجيب الريس عام 2009 ، بين التصوف والمؤخرة مسافة هائلة ظاهريًا، لكن إبراهيم محمود ينجح في جعل هذه المسافة أقصر مما نتخيل.

في “معذبو النور” يطرح إبراهيم محمود سؤالًا بالغ الحساسية: هل للتصوف هوية قومية؟ وهو سؤال يبدو مشروعًا وإشكاليًا في آن معًا، خاصة عندما نتحدث عن شخصيات كردية كان لها أثر عميق في تاريخ التصوف العالمي ، لكن الشخصية التي استوقفتني أكثر من غيرها كانت بابا طاهر الهمداني، أو “العريان” كما يرد في بعض المصادر. 

كنت قد تعرفت إلى بابا طاهر أثناء دراستي اللغة الفارسية، وقرأت شيئًا من شعره وعشقت شخصيته ، يومها تعرفت إليه بوصفه شاعرًا فارسيًا يكتب بالفارسية وينتمي إلى فضائها الثقافي ، لذلك فوجئت عندما وجدته حاضرًا في هذا الكتاب من زاوية مختلفة، بوصفه جزءًا من تاريخ التصوف الكردي أو من الفضاء الثقافي الكردي الأوسع. 

لا أخفي أن هذه الفكرة أحدثت لدي قدرًا من البلبلة ، هل كان بابا طاهر كرديًا أم فارسيًا؟ ثم سرعان ما ظهر سؤال آخر بدا لي أكثر أهمية: وهل كان هذا السؤال يهم بابا طاهر نفسه؟ هل كان الرجل الذي أمضى حياته منشغلًا بالحب الإلهي والزهد والتجربة الصوفية يفكر أصلًا بهذه التصنيفات؟ أم أنه كان سيضحك ساخرًا من كل هذا الجدل؟ 

لكن السؤال لا يتوقف هنا ، فمن السهل السخرية من الهويات القومية عندما تكون معترفًا بها ومحفوظة، أما في حالة شعب تعرضت هويته مرارًا للتهميش أو الإنكار أو الطمس، فإن المسألة تبدو مختلفة ، عندها يصبح البحث عن الجذور والأسماء والرموز فعل استعادة للذاكرة أكثر منه مجرد تصنيف أكاديمي ، وربما لهذا السبب بدت لي عبارة إبراهيم محمود شديدة الدلالة حين يقول إن “التصوف الكردي قد وجد نفسه في أحضان الآخرين”. فربما يكون بابا طاهر كرديًا وفارسي اللغة وعالمي الأثر في الوقت نفسه، وقد تكون المشكلة أقل في الرجل نفسه وأكثر في حاجتنا نحن إلى فهم الكيفية التي عبرت بها الثقافة الكردية عن نفسها عبر لغات متعددة وفضاءات أوسع من حدودها القومية.

أما في “الجسد المخلوع”، فأعترف أن الكتاب سبب لي صدمة أعقبها ضحك طويل ، لم أكن أتخيل يومًا أن أقرأ كتابًا كاملًا عن المؤخرة ، والأكثر غرابة أنني وجدت نفسي أمام عمل مكتوب بلغة رصينة وأكاديمية إلى حد الملل أحيانًا من فرط جديتها، لكن هذه اللغة الجادة كانت تتحدث عن المؤخرة! 

في هذا الكتاب يتعقب إبراهيم محمود تاريخ المؤخرة كما لو أنه يضعها تحت مجهر هائل ، ينتقل بها بين الأدب والفلسفة والتاريخ والسينما والموسيقى والرقص والشاشة والصورة، جامعًا الإشارات المتناثرة إليها في الثقافة الإنسانية بقدر مذهل من الصبر والإصرار ، وما بدا في البداية موضوعًا يدعو إلى الابتسام، يتحول تدريجيًا إلى نافذة لفهم علاقتنا بالجسد، وما نعتبره لائقًا أو غير لائق، نبيلًا أو وضيعًا، جديرًا بالكلام أو مستحقًا للصمت.

وأذكر أنني ضحكت كثيرًا عندما وصلت إلى حديثه عن أحلام مستغانمي ، فبحسب تتبعه الدقيق للنصوص، لم تجد هذه الكاتبة طريقها إلى صفحات الكتاب إلا بسبب جملة واحدة فقط، قالتها وهي تتحدث عن الصواريخ العراقية التي أُطلقت على إسرائيل، حين وصفتها بأنها “ليست أكثر من تحميلة وضعتها إسرائيل في مؤخرتها”. كانت جملة واحدة كافية لأن يلتقطها إبراهيم محمود من بين آلاف الصفحات ويضمها إلى أرشيفه الضخم.

في تلك اللحظة أدركت أن الموضوع الحقيقي للكتاب ليس المؤخرة بحد ذاتها، بل تلك القدرة العجيبة لدى صاحبه على تتبع الأثر أينما وجد ، فهو يتعامل مع أكثر التفاصيل هامشية بالجدية نفسها التي يتعامل بها مؤرخ مع وثيقة نادرة، أو باحث في التصوف مع مخطوطة مجهولة ، ولهذا بدا لي “الجسد المخلوع” امتدادًا طبيعيًا للمشروع نفسه الذي يقف خلف “معذبو النور”.

في النهاية، يبقى إبراهيم محمود بالنسبة لي واحدًا من أكثر الكتّاب إثارة للفضول ، أعود إلى كتبه بين فترة وأخرى، لا بحثًا عن إجابات جاهزة، بل لأنني أجد فيها دائمًا مغامرة فكرية جديدة، وسؤالًا لم يخطر لي من قبل، أو زاوية مختلفة للنظر إلى ما اعتدنا اعتباره بديهيًا.

ما يعجبني في كتاباته ليس فقط اتساع موضوعاتها، بل هذه الجرأة على الذهاب إلى المناطق التي يتجنبها الآخرون ، ففي عالم يميل إلى تكرار الأسئلة نفسها، ظل إبراهيم محمود يبحث عن أسئلة جديدة، أو يعيد طرح الأسئلة القديمة بطريقة تجعلها تبدو جديدة من جديد ، ولهذا تبدو أعماله، مهما اختلفت موضوعاتها، وكأنها تنتمي إلى مشروع واحد مفتوح على الشك والاكتشاف والمراجعة الدائمة.

نحن محظوظون بوجود كاتب سوري كردي مثله، حتى وإن كان يقيم اليوم في كردستان العراق ، وأقول سوري كردي، ثم أتردد قليلًا، لأنني لا أعرف إن كان هذا الوصف هو ما يفضله هو لنفسه ، وربما يكون هذا التردد مناسبًا أصلًا عند الحديث عن كاتب أمضى سنوات طويلة في مساءلة الهويات والحدود والتصنيفات الجاهزة ، لعل حياته نفسها، كما كتاباته، جزء من مشروع مفتوح على الأسئلة ، مشروع لا يبحث عن مكان نهائي للاستقرار بقدر ما يبحث عن أفق جديد للتفكير ، وربما لهذا السبب بالذات أواصل العودة إلى كتبه كلما شعرت أن العالم صار واضحًا أكثر مما ينبغي.