خضر سلفيج

تأملات في المكان الذي نسكنه بعد فوات الأوان
من بين جميع الأمكنة التي نعبرها في حياتنا، تبقى هناك أمكنة لا تقع خارجنا، بل تنمو بصمت في أعماقنا.
أمكنة لا تُبنى من حجر، بل من احتمال. ولا تُرسم حدودها على الأرض، بل على المسافة الخفية بين ما حدث وما كان يمكن أن يحدث.
وفي كل مرة نلتفت فيها إلى الوراء أكثر مما ينبغي، نقترب من واحدة من تلك الأراضي غير المرئية؛ الأرض التي يقيم فيها الندم، لا بوصفه ألمًا فحسب، بل بوصفه ذاكرة تحاول أن تعيد التفاوض مع الزمن، وأن تمنح الاحتمالات الضائعة حياة ثانية داخل الخيال.
هناك تبدأ هذه الرحلة.
الندم ليس مجرد ألم يعود إلينا من الماضي. إنه محاولة متأخرة لفهم قرار اتخذناه في زمن لم نكن نملك فيه المعرفة التي نملكها الآن.
ولهذا يبدو الندم أحيانًا كأنه مكان.
لا ندخله بأقدامنا، بل بذاكرتنا.
كلمة لم نقلها. حب تركناه يرحل. فرصة مرت أمامنا ولم نعرف قيمتها إلا بعد أن ابتعدت. طريق اخترناه، ثم قضينا سنوات نتساءل عن الطريق الآخر.
لكننا حين نعود إلى الماضي لا نستعيده كما كان.
نستعيده كما نعرفه الآن.
وهنا تكمن إحدى قسوات الندم: أنه يمنحنا معرفة الحاضر كي نحاكم بها أنفسنا القديمة.
حدود الندم
لكل بلد حدوده، أما الندم فله كلمة واحدة تكفي لعبورها:
لو.
لو بقيت.
لو سافرت.
لو تكلمت.
لو صمتّ.
لو انتظرت قليلًا.
هذه الكلمة الصغيرة تنقلنا من الواقع إلى الاحتمال.
وفجأة يصبح هناك طريق آخر إلى جوار الطريق الذي مشيناه، وحياة أخرى إلى جوار حياتنا، ونسخة أخرى من أنفسنا لم تُمنح فرصة الظهور.
المشكلة أن الاحتمال لا يموت بسهولة.
كلما كان الماضي مهمًا بالنسبة إلينا، ظل السؤال مفتوحًا: ماذا كان سيحدث لو اخترنا غير ما اخترنا؟
وهذا السؤال لا يملك إجابة، لكنه يملك قدرة غريبة على إبقائنا في مكاننا.
مدينة الفرص الضائعة
في قلب جغرافيا الندم تقوم مدينة لا تنام.
مدينة الفرص الضائعة.
شوارعها مليئة بالأبواب التي لم نفتحها، والرسائل التي لم نرسلها، والأيدي التي لم نمدّها في الوقت المناسب.
كل مبنى فيها يحمل اسم قرار لم نتخذه.
وفي نوافذها نرى أحيانًا حياة كان يمكن أن تكون لنا: مهنة أخرى، مدينة أخرى، بيت آخر، شخصًا لم نلتقِ به بما يكفي، أو شخصًا التقيناه ولم نعرف كيف نحافظ عليه.
لكن لهذه المدينة خدعة أخرى.
إنها تجعل الحياة البديلة تبدو أكثر وضوحًا مما كانت عليه في الحقيقة.
فنحن نعرف نهايات الطريق الذي لم نسلكه، لأننا نستطيع أن نخترعها.
نستطيع أن نجعل الزواج الذي لم يحدث سعيدًا، والمدينة التي لم نسكنها أكثر رحابة، والعمل الذي لم نختره أكثر معنى.
أما الحياة التي عشناها فعلًا، فهي أكثر تعقيدًا؛ لأنها لا تمنحنا رفاهية التخيل. فيها ما كسرنا، وما أخطأنا فيه، وما لم نفهمه إلا متأخرين.
متحف الحيوات التي لم نعشها
في أطراف المدينة يقف متحف غريب.
لا تُعرض فيه الأشياء التي حدثت، بل الأشياء التي كان يمكن أن تحدث.
المهنة التي لم نخترها.
المدينة التي لم نسكنها.
الحب الذي لم يبدأ.
والشخص الذي كنا سنصبحه لو انعطفنا عند مفترق مختلف.
كل شيء هنا ناقص، ومع ذلك يبدو كاملًا.
وهذا هو سحر الندم.
أنه يسمح لنا بأن نكمل القصة التي لم تُكتب.
لكن الحياة البديلة التي نصنعها في الخيال لا تحمل أخطاءها الخاصة. لا نعرف كيف كان يمكن أن تفشل، ولا أي شيء آخر كان سيضيع لو اخترناها.
نرى بابًا لم نفتحه، وننسى أن وراء كل باب غرفة لا نعرف ما فيها.
خطأ النظر إلى الوراء
ربما لا يؤلمنا الماضي وحده، بل الطريقة التي ننظر بها إليه.
مع مرور الوقت، تتغير الإضاءة.
تفاصيل صغيرة قد تصبح ضخمة، وأشياء كانت عادية في وقتها قد تبدو، بعد سنوات، كأنها لحظات مصيرية.
قد نتذكر جملة قيلت قبل عشر سنوات بدقة مدهشة، وننسى عشرات الأشياء التي كانت تحيط بها.
والذاكرة ليست مؤرخًا محايدًا.
إنها تعيد ترتيب المشهد وفق ما أصبحنا عليه.
لهذا قد يكون الندم أحيانًا أقل تعلقًا بالماضي مما نظن، وأكثر تعلقًا بالشخص الذي صرنا عليه بعده.
نحن لا نعود إلى الماضي فقط.
نعود إليه من مكان جديد.
المناخ
للندم مناخ خاص.
إنه ضباب، لكنه ضباب لا يخفي الماضي؛ بل يجعله أكثر حضورًا.
فيه تبدو الأشياء البعيدة أوضح من الأشياء القريبة. نعرف ما كان يمكن أن يكون، ونفقد للحظة القدرة على رؤية ما لا يزال ممكنًا.
وهنا يصبح الندم خطرًا: حين يجعل الماضي أكثر واقعية من الحاضر.
حين نقضي وقتًا طويلًا في سؤال لم يعد يملك جوابًا، بينما تمر أمامنا أسئلة أخرى لا تزال قابلة للحياة.
حين يكون الندم مفيدًا
ومع ذلك، ليس كل ندم عبثًا.
هناك ندم يعلمنا شيئًا لم نكن نعرفه عن أنفسنا.
يجعلنا نفهم حدودنا، أو أخطاءنا، أو الثمن الذي يمكن أن يدفعه الإنسان حين يتصرف بدافع الخوف، أو الكبرياء، أو الجهل.
الندم، في هذه الحالة، ليس عودة عقيمة إلى الماضي، بل معرفة جديدة بالحاضر.
لكن ثمة فرقًا بين أن نتعلم من القرار وأن نعيش في محاكمته.
الأول يمكن أن يغير ما سنفعله بعد ذلك.
أما الثاني فلا يغير شيئًا سوى الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا.
وربما يكون أصعب ما في الندم أن نغفر لأنفسنا شيئًا لم نكن نعرف، وقت حدوثه، أنه سيصبح خطأ.
حق الرحيل
لا يحتاج الإنسان إلى إنكار الندم كي يغادره.
يمكن أن نقول: نعم، كان يمكن أن أفعل شيئًا آخر.
نعم، كان يمكن أن أتكلم.
كان يمكن أن أبقى.
كان يمكن أن أختار الطريق الآخر.
لكن كلمة “كان” لا ينبغي أن تتحول إلى بيت.
الماضي لا يطلب منا أن نعود إليه بقدر ما يطلب منا أن نفهمه.
نأخذ منه ما نستطيع، ونترك ما لا نستطيع تغييره.
فالحياة لا تُعاش في المدن التي لم تُبنَ، ولا في الطرق التي لم نسلكها.
تُعاش هنا، في هذا الطريق الوحيد الذي لم ينتهِ بعد.
وربما تكون الحكمة الأخيرة التي يمنحها لنا الندم هي أن نكف عن محاكمة الشخص الذي كنّاه، لأنه اتخذ قراراته بالمعرفة التي كانت متاحة له آنذاك.
نحن الآن نعرف أكثر.
وهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن نفعله بالماضي: أن نجعل معرفتنا الجديدة نافذة إلى الأمام، لا بابًا نعود منه إلى الوراء.
فالندم قد يكون مكانًا نزوره.
لكن ليس علينا أن نسكنه.







