الأماكن لا تنسى

إيمان أحمد

لطالما اعتقدت أن عبارة «للحيطان آذان» مجرد مثل شعبي تناقلته الألسن في سوريا، ولم يخطر ببالي يوماً أنني سأكبر لأكتشف أن للحيطان ذاكرة أيضاً، وربما قلباً يحتفظ بما نعجز نحن عن الاحتفاظ به؛ فثمة جدران لا تكتفي بسماع أحاديثنا، بل تشهد تحولاتنا وتؤرخ لنسخ منا لن نلتقي بها مرة أخرى. وربما كانت أكثر وفاءً لذاكرتنا منا، إذ لا تنسى كيف كنا حين كنا نظن أن الأيام عادية وأن الأماكن ستبقى دائماً كما هي.

اكتشفت ذلك حين انتقلت من بيتنا إلى بيت آخر؛ فكلما مررت من أمام بيتنا القديم كان لا بد أن أختلس النظر إلى جدرانه، وكأنني أفتش بعيني عن أثر مني تركته هناك، أو أعتذر إليه عن الغياب وأؤكد له أنني ما زلت أذكره. وحين تركت عملي، كنت كلما مررت من أمامه أختلس النظر إلى الزاوية التي كانت تحتضن ساعات من يومي، وكأنني أفتش عن تلك النسخة مني التي ما زالت عالقة بين جدرانه، ولم تنتبه أنها كانت تعيش أيامها الأخيرة في ذلك المكان.

ثم بدأت ألاحظ أنني أفعل الشيء نفسه مع بيوت الأشخاص الذين نحبهم، فحين نغادر بيوتهم نلتفت خلفنا ونتفحص تفاصيلها بصمت؛ الأبواب والنوافذ والجدران، وكأننا نودعها هي لا أصحابها فقط، وكأننا نعرف في قرارة أنفسنا أن هذه الجدران شهدت أحاديث لن تتكرر، وضحكات لن تجتمع بالطريقة نفسها، ولحظات عبرت دون أن ندرك أنها كانت تصنع ذكرياتنا الأخيرة هناك.

وربما لهذا السبب لا نغادر الأماكن دفعة واحدة كما نظن، فثمة شيء منا يبقى عالقاً في زواياها، في مقعد اعتدنا الجلوس عليه، وفي نافذة طالما انتظرنا خلفها، وفي ممر عبرناه آلاف المرات دون أن نلتفت إليه. وربما لا تكون الأماكن حزينة حين نغادرها، لكننا نحن من نترك فيها شيئاً لا نستطيع استعادته، ثم نمضي وكأننا لم نفقد سوى عنوان، بينما الحقيقة أننا فقدنا زمناً كاملاً لا يمكن العودة إليه مهما عدنا إلى المكان نفسه.

فبعض الأماكن لا نشتاق إليها لأنها كانت جميلة، بل لأنها احتفظت بأشخاص كناهم يوماً، ولم نعد نستطيع أن نكونهم من جديد.

اترك ردّاً