علي شمدين

إن الظروف القاهرة التي تمر بها بلادنا منذ عقد ونصف، والتداعيات الكارثية التي خلفتها هذه الظروف على المجتمع السوري عموماً والكردي منه بشكل خاص، لم تجعل العمل في ميدان الكتابة صعباً فحسب، بل أن الرغبة في القراءة تكاد تتراجع إلى حد العدم. ولذلك، تصبح المبادرة إلى إصدار كتاب في مثل هذه الظروف أشبه بالحفر بالأظافر في صخر، خاصة إذا كان هذا الكتاب يتناول معاناة شعبٍ بات وجوده في مهب سياسات التعريب، ويسعى بمضمونه إلى مواجهة مشاريع التغيير الديموغرافي التي يتعرض لها وطنه. ومن هنا، نشعر بالإعجاب عندما نصادف خبراً على صفحات الإنترنيت عن صدور كتاب جديد، لكاتب مجاهد، يخرج كالمارد من بين رماد هذا الدمار كله، ليوثق تاريخ شعبه الذي تعصف به رياح التزييف الشوفينية، وأمواج التزوير العنصرية، ويسهر الليالي باحثاً بين المصادر عن الأدلة والوثائق التي تؤكد هويته القومية، وتوثق تراثه العريق من الضياع والاندثار.
هذا الشعور هو الذي ينتابني تماماً وأنا أقرأ خبر صدور كتاب (مائة شخصية كردية سورية)، للكاتب المثابر والباحث المجتهد (فارس عثمان)، والذي يتناول على مدى (316) صفحة من القطع المتوسط، مائة شخصية كردية الأصل، سورية الانتماء الوطني. وهي شخصيات اختارها الكاتب من بين المئات من الشخصيات الكردية التي برزت من صفوف هذا الشعب الذي ألحق قسراً بالدولة السورية الحديثة، ومن مختلف المناطق والحقول (السياسية، والأدبية، والثقافية، والفنية، والاجتماعية)، وأسهمت، في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد، بدور مؤثر في توجيه الرأي العام الكردي في سوريا، وتركت بصمتها العميقة في بلورة شعوره القومي والوطني. وهذا ما يؤكده الكاتب في مقدمة كتابه، حيث يقول: (ولأنّ الكتابة عن الشخصيات ليست مجرد استعادة لسير ذاتية فردية، بل هي أيضا نافذة لفهم المجتمع والتاريخ والتحولات التي شهدتها البلاد. جاء هذا الكتاب بعنوان: مائة شخصية كردية سورية، ليسلط الضوء على مسار شخصيات تركت بصماتها في مختلف الميادين، وليكون نافذة تطل على هذه الشخصيات، في محاولة لإعادة الاعتبار لها، وتقديمها للقارئ بما يليق بدورها ومكانتها).
لا شك أن الباحث (فارس عثمان)، يطمح في كتابه (مائة شخصية كردية سورية)، إلى إنقاذ هذه الأعلام والرموز التاريخية من آفة النسيان والضياع، والمساهمة في توثيق سيرتها الذاتية، والدور الذي لعبته في حماية الهوية القومية والوطنية للمجتمع الكردي في سوريا. وحول الهدف من هذا الكتاب يؤكد الباحث في مقدمة كتابه: (إنّ هذا العمل يهدف إلى إغناء المكتبة الكردية والسورية معا بمصدر يوثّق لأعلام ظلّ الكثير منهم في الظل أو عُرضة للنسيان. وهو أيضا دعوة للأجيال الكردية الجديدة كي تتعرّف على رموزها وتستلهم من مسيرتها قيم الإبداع والنضال والتجدد. فالماضي ليس للتفاخر وحسب، بل للبناء عليه ورسم ملامح المستقبل، وهي محاولة متواضعة لردّ الاعتبار إلى مائة شخصية كردية سورية، قد تكون معروفة للبعض ومجهولة للكثيرين، لكنها جميعها ساهمت في رسم ملامح التاريخ والهوية والمجتمع).
لا يدعي الباحث (فارس عثمان)، كمال الجهد الذي يقدمه اليوم لقرائه بعنوان (مائة شخصية كردية سورية)، وإنما يعده لبنة متواضعة في هذا المجال، قد تساهم في سد فراغ في جدار المكتبة الكرية، فيقول: (إنّ مائة شخصية كردية سورية، ليس مجرد كتاب توثيقي، بل هو شهادة حب ووفاء لذاكرة شعب ما زال يقاوم النسيان، ويصرّ على أن يكون حاضرا في صفحات التاريخ بوجهه المشرق وإسهاماته المتعددة. عسى أن يكون هذا الجهد خطوة على طريق طويل لحفظ سير من سبقونا، وتقدير عطائهم، ونقل رسالتهم إلى من سيأتي بعدنا).
فارس عثمان هو ذلك الطفل الذي شهد حي الهلالية ولادته عام (1960)، في عائلة كردية أصيلة عاشت معاناة قومية قاسية من الفقر والقهر والحرمان حتى النخاع، وهو ذلك الطالب المجد الذي تحدى تلك المعاناة بصبر أيوب حتى نال إجازته في التاريخ من جامعة دمشق عام (1985). وهو ذلك الإنسان الهادئ والمتواضع، المعروف في الوسط الثقافي والتربوي والسياسي في مدينته التي يصر على تسميها (قامشلو)، والمربي الفاضل الذي تألق بجهوده وعطائه في تدريس مادة التاريخ في ثانويات مدينة القامشلي.
ومثلما كان الكاتب متفانياً في مهنة التدريس، كذلك كان ولا يزال يعمل في المجالات الثقافية والسياسية والإعلامية من دون كلل أو ملل. وكان حصاده في المجال الثقافي، فضلاً عن عشرات الأبحاث والمقالات والمخطوطات التي تنتظر الطباعة والنشر، مجموعة من الكتب القيمة، وأهمها:
- زرادشت والديانة الزرادشتية، ط1، 2002.
- الكرد والارمن -العلاقات التاريخية، ط1، 2019.
- الكرد في سوريا (جزآن: 1920- 1946/ 1946- 2000).
- تفجير قامشلو الإرهابي، وقائع وتوثيق، ط1، 2017.
- كردستان أول صحيفة كردية، ط1، 2018.
- الوجود الكردي في سوريا، كراس ط1، 2018.
- الكرد ولوزان بعد قرن، ط1، 2023.
- يوسف جلبي قصة إبداع، ط1، 2023.
- صفحات من سيرة المناضل عبد الحميد درويش، ط1، 2022.
- نوروزنامه: النوروز في التاريخ، ط1، 2025.
- جكرخوين: الجانب السياسي من حياته، ط1، 2025.
- مائة شخصية كردية سوريا، ط1، 2026.
وفي المجال السياسي، لم يبق الكاتب مكتوف اليدين، بل انخرط مبكراً في صفوف الحركة الكردية في سوريا، وتدرج في مهامه الحزبية داخل صفوف (الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا)، حتى بلغ عضوية المكتب السياسي. أما في المجال الإعلامي، فقد كان، ومنذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي، أحد أولئك الجنود المجهولين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية العمل في إعلام حزبهم، إلى جانب نخبة من رفاق دربه الذين تركوا بصمة عميقة في مسيرة الإعلام الكردي في سوريا، أمثال (سلمان إبراهيم، نواف حسن، حسن جنكو، رضوان شيخو، حمزة جنكو، وأنا..).
ونتيجة نضاله الدؤوب في هذه المجالات، دفع الكاتب ضريبة غالية من سنوات عمره ومن سعادته وسعادة عائلته، وعانى بسبب التزامه بقضية شعبه القمع والقهر والحرمان، إلى أن فُصل من السلك التربوي عام (2012)، مهنة التدريس مُرغمًا، لكنه لم يغادر الوطن، وظل يعيش بين أهله يشاركهم معاناتهم، نظيف اليد والسمعة والسيرة.
فإذا كان كتاب (مائة شخصية كردية سورية)، الذي صدر حديثاً، يعتبر وفاءً لنخبة من أعلام شعبنا الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل حماية هوية شعبهم ونيل حقوقه القومية والوطنية ليعيش على أرضه بحرية وكرامة، فإن كاتبه أيضاً يستحق منا مثل هذا الوفاء والتكريم، وأن نقول بحقه هذه الشهادة، التي أعلم بأنها ستظل شهادة مطعوناً فيها، لأنها صادرة عن رفيق دربٍ شاركه النضال في مختلف المجالات (السياسية، والثقافية، والإعلامية، والتنطيمية)، وكان شاهداً حياً على معظم المحطات الرئيسية لسيرة حياته الحافلة بالعطاء والإبداع.
السليمانية 13 نيسان 2026







