الإصغاء إلى الصمت؛ إلى ريبر يوسف

خضر سلفيج

العزيز ريبر،

أنهيتُ “المريد الأصم” كمن يخرج من غرفةٍ امتلأت بالصوت حتى صار الصمت فيها شكلًا آخر من الصراخ. لم أقرأ الرواية بوصفها حكاية، بل بوصفها أثرًا يبقى في الجسد بعد انتهاء الحكاية؛ كأن النص لا يطلب الفهم بقدر ما يطلب الإصغاء إليه جسديًا، ويثقل الذاكرة بما لا يمكن قوله بسهولة.

وفي أثناء القراءة، راودني سؤال خافت: هل كانت الحرية مجازًا آخر للعزلة؟

في هذا الأثر، لا يبدو الصمم غيابًا، بل امتلاءً خفيًا للعالم حتى يفيض على حاسة السمع نفسها. وكأن الحياة، حين اشتدّت، لم تعد تُحتمل عبر الأذن، فاختارت أن تنطفئ هناك، لتفتح بابًا آخر للفهم، بابًا لا يحتاج إلى صوت. الأب في هذا العالم لا يتحدث ليعلّم، بل ليتماسك ويقاوم انهياره، كأنه يتمسك بالكلمات كما يتمسك الغريق بخشبةٍ أخيرة في بحرٍ فقد اتجاهه.

في “المريدُ الأصمّ” لا يبدو الصمم نقصًا في السمع، بل فائضًا في الخراب. شعرتُ أن الأب هناك لا يعلّم ابنه الكلام بقدر ما يراقب الحرب وهي تكبر داخل فمه المغلق، وكيف يتحول الصمت إلى لغة كاملة حين تفشل البلاد في النطق بأسماء موتاها.

كأن الخراب نفسه، في النهاية، وجد صوته الخافت.

الابن الأصمّ بدا كأنه الناجي الوحيد من ضجيج العالم، بينما كان الأب يُصاب، كل يوم، بسمعٍ زائد؛ يسمع القذائف وهي تتساقط داخل ذاكرته، ويسمع أبواب البيوت المهدّمة، وأنين الأمهات في القرى البعيدة، حتى صار يتمنى لو يرث صمم ابنه، لا ليهرب من الأصوات، بل ليهرب من ثقل المعنى.

كان الأب يمشي في العالم كمن يمشي داخل صدى نفسه، بينما يجلس الابن في هدوءٍ يشبه النجاة، أو يشبه معرفةً لا تحتاج إلى تفسير. وبينهما لا تمر الكلمات، بل تمر ظلالها فقط، كأن اللغة نفسها فقدت ثقتها بما تقوله، فاختارت أن تتراجع خطوة إلى الخلف لتترك للصمت أن يكمل ما عجزت عنه.

العزلة في هذا العمل لا تأتي من الجدران، بل من اتساع الفهم. ليست عزلة شخصين في بيت، بل عزلة وطنٍ فقد القدرة على أن يشرح نفسه لنفسه. الأب يشيخ وهو يحاول أن يترجم العالم لابنه بالإشارة، بينما العالم نفسه صار يحتاج إلى ترجمة بعد أن تكسّر إلى شظايا من المعنى.

وحين تأملتُ العلاقة بينهما، بدت لي كأنها طقسٌ غير مكتمل، صلاةٌ تتردد في منتصف الطريق بين السماء والأرض، لا تصل تمامًا ولا تنقطع تمامًا:

أبٌ يتكلم كثيرًا
لأنه خائف،

وابنٌ يصمت طويلًا
لأنه فهم كل شيء.

يبقى الأمل أن تظل الكتابة لديك مساحةً تُنصت للعالم أكثر مما تشرحه، وأن يبقى النصّ عندك احتمالًا دائمًا للمعنى حين يعجز الكلام عن الوصول، وأن تبقى الكتابة شكلًا من أشكال الإصغاء لما لا يُقال.

وفي الختام، لا يبقى من هذا النص إلا أثره في الوعي: أن يتعلّم الإنسان كيف يُقيم في هشاشته دون أن يسقط، وكيف يجعل من الإصغاء شكلًا من أشكال النجاة، ومن الكتابة محاولةً دائمة للاقتراب مما لا يُقال، لا لامتلاكه.

دمتَ في جهة المعنى!