مثال سليمان

رواية “عمي جمشيد خان الذي تعصف به الريح ” الصادرة بترجمتها العربية عن دار خان للنشر والتوزيع سنة 2019، للروائي الكردي بختيار علي، يمكن اعتبارها واحدة من أبرز أعماله السردية التي تمزج بين الواقعية الأسطورية والتأمل الفلسفي، وتُحوّل الحكاية الفردية إلى تمثيل رمزي لتجربة إنسانية وجمعية شديدة التعقيد. الرواية تنطلق من واقعة غرائبية تتمثل في قدرة جمشيد على التحليق بفعل خفة جسده، لكنها سرعان ما تتجاوز حدود العجائبي لتطرح أسئلة عميقة حول الهوية والذاكرة والانتماء ومصير الإنسان في مواجهة العنف التاريخي.
منذ المشاهد الأولى يظهر جمشيد بوصفه شخصية لا نعلم إن كانت قد خرجت أم هربت من المعتقل محمّلة بآثار تجربة قاسية تجاوزت حدود الإيذاء الجسدي إلى مستويات أكثر عمقاً تتصل ببنية الذات نفسها. فقد غدا خفيفاً إلى درجة تستطيع الريح حمله بعيداً، وهي صورة تتخذ دلالة رمزية كثيفة تعكس حالة التآكل الداخلي التي تصيب الإنسان تحت وطأة القمع. فالجسد الذي يتحول إلى مرآة للخراب النفسي والوجودي ويغدو فقدان الثقل تعبيراً عن فقدان الرسوخ في العالم وعن تصدع العلاقة بين الإنسان وذاته.
ومن هذا المنطلق يكتسب الطيران معناه المركزي في الرواية “قلب الرواية “. فبدلاً من ارتباطه التقليدي بالحرية والانعتاق، يتحول إلى علامة على الاقتلاع وفقدان الجذور. جمشيد خان لا يتحكم بمسار تحليقه، وإنما تدفعه الرياح إلى أمكنة ومصائر متباعدة، فيصبح أسيراً لحركة مستمرة تفتقر إلى الغاية والاستقرار. ومن خلال هذه الصورة ينجح بختيار علي في تحويل القدرة الخارقة إلى تجسيد درامي لحالة المنفى الدائم التي عاشها شعب وأفراد وجدوا أنفسهم تحت تأثير قوى تاريخية تتجاوز إرادتهم.
[ انضمامه إلى الحزب الشيوعي في الحقيقة لم تكن قناعاته وإيمانه بالحرية والعدالة الاجتماعية إنما كان دافعه هو إيجاد مجتمع يستطيع فيه الإنسان أن يحب بطريقة أسهل مجتمع تتحرر فيه العلاقات بين الشباب والفتيات وتكون المراقبة عليهم أقل وأخف] صـ 4
وتبرز الريح بوصفها الرمز الأكثر حضوراً في البناء الدلالي للرواية. فالعنوان ذاته يمنحها موقعاً مركزياً، إذ تتقدم بوصفها الفاعل الحقيقي في تشكيل مصير الشخصية.
[لا أحد يعلم بالضبط في أي يوم عصفت الريح بجمشيد، فقط يحكى بأن طيرانه الأول بدأ من معتقل في مدينة كركوك.] صـ6
[ لكن يبدو أن ريحاً قوية وعاصفة قد هبت فجأة وما كان منها إلا أن رفعت جمشيد أول مرة عن الأرض.]
تمثل الريح في هذا السياق التاريخ العنيف بكل تجلياته؛ الحروب، الأنظمة الاستبدادية، الهجرات القسرية والتحولات السياسية الكبرى التي تعيد رسم حياة البشر وفق منطقها الخاص. لذلك تتجاوز رحلة جمشيد حدود التجربة الفردية لتصبح صورة رمزية لمصير جماعي عاشه الإنسان الكردي في القرن العشرين، بكل ما رافقه من اقتلاع وتشرد وانكسارات متلاحقة، الكردي المتطلع إلى الحرية على الدوام.
وتحتل الذاكرة مكانة محورية في تطور الأحداث وفي بناء الرؤية الفكرية للنص. فكل سقوط يتعرض له جمشيد يقترن بفقدان جزء من ذاكرته، في توازٍ دقيق بين السقوط الجسدي والتآكل الوجودي.
[ في كل مرة يسقط فيها عمي جمشيد، ينسى شيئاً عظيماً من ذاكرته]
تكشف هذه العلاقة عن وعي سردي عميق بأهمية الذاكرة في تشكيل الهوية الإنسانية؛ إذ تبدو الشخصية وكأنها تفقد أجزاءً من ذاتها كلما فقدت جزءاً من ماضيها. ومع ذلك يحتفظ جمشيد باسمه وانتمائه الكردي رغم تراجع تفاصيل حياته الأخرى، الأمر الذي يمنح الرواية بعداً فلسفياً يتصل بطبيعة الهوية وحدود ارتباطها بالذاكرة. فثمة عناصر أكثر رسوخاً من الذكريات الفردية، وأكثر قدرة على مقاومة النسيان والتشظي.
[ أسمي جمشيد وأنا كردي]
وفي موازاة ذلك، ترصد الرواية آليات الاستغلال التي تحكم العلاقات الإنسانية في عالم مضطرب. فجميع القوى المحيطة بجمشيد تكاد تنظر إليه من زاوية المنفعة: الحكومات توظف قدرته خلال الحرب الدائرة بين العراق وإيران طيلة ثماني سنوات، من ثم ترك جمشيد عالم الرجال والتوجه نحو عالم النساء وعشقه لصافيناز التي كانت بالنسبة له وعداً بحياة جديدة، العلاقة التي تحولت إلى وسيلة للهيمنة والكسب وكيف أن الكاتب استبق الحدث بعلامة كنذيرٍ سردي وضعها للقارئ حينما يزين جمشيد جدران غرفته بلوحات “العشاق المخادعين”. تليها السلطة الدينية التي تستثمر ملكته وتستغله من خلال شخص الشيخ قاسم الذي يلقنه خطابات دينية غرائبية لغايات غير أخلاقية بعدما يزعم جمشيد أنه رأى الرب في السماء وأنه مكلفٌ بنشر رسالة الإسلام بين الناس، لكن تأزم الحالة الدينية آنذاك تحول دون تحقيق ماكان يصبو إليه جمشيد الذي تتحول ملكة الطيران لديه إلى نقمة عليه، فيسقط جريحاً وينسى اسم الرب.
يسقط لاحقاً بين مجموعات تابعة ل PKK/ گيريلا المختبئة في الكهوف المحفورة في الجبال، يُظهر بختيار هنا نوعاً من الرومانسية التي تميل إلى الحل السياسي وكأنّه يخبرنا أن السياسة أفضل الحلول، حيث يستفيد من جمشيد كذلك تلك المجموعات في مراقبة تحركات القوات التركية والجحوش ( القرويين المتواطئين مع الأتراك) ولكن بعد تدهور حالته الصحية، تحرص المجموعة على الحفاظ على صحته وتسليمه لأهله ..
[ هل أنا فعلاً أصبحت كالقشة في مهب الريح!؟]
وتزداد أهمية هذا البعد عندما تجعل الرواية جمشيد نفسه جزءاً من منظومة الاستغلال خلال مرحلة تهريب البشر في إسطنبول. وهنا تتخلى الرواية عن التصنيفات الأخلاقية الجامدة، لتقدم رؤية أكثر تعقيداً للطبيعة البشرية، حيث يمكن للضحية أن تعيد إنتاج أنماط العنف التي تعرضت لها تحت ضغط الحاجة والظروف التاريخية.
ومن الرموز اللافتة في الرواية صورة الحبل الذي يربط جمشيد بالأرض كي تحميه أسرته من الريح.
[ كانت تلك الحبال هي الوسيلة الوحيدة التي تربطنا مع جمشيد ومن خلالها نرصد خفقان قلبه] صـ35
[ ولكن مع الوقت لم يعد الحبل الذي يربطنا مع جمشيد مجرد حبل ميت لا روح فيه بل صار قناة حقيقية لنقل الأحاسيس والمخاوف والأمنيات أيضاً. إذا ما نمنا في الأسفل، كان جمشيد يشعر بنا من طريقة إمساكنا الحبل فيلجأ إلى الشد والإرخاء إلى أن نصحو.] صـ38
وهكذا يتجاوز الحبل وظيفته العملية ليغدو رمزاً لكل ما يمنح الإنسان شعوراً بالثبات والاستمرارية: العائلة، واللغة، والذاكرة، والصداقة، والانتماء المكاني والثقافي. لذلك تكتسب شخصية سالار أهمية خاصة ضمن هذا السياق، إذ يؤدي دور الرابط الإنساني الأكثر ثباتاً في حياة جمشيد. فوجوده المستمر إلى جانب عمه يمنح الرواية بعداً عاطفياً وإنسانياً ويجسد محاولة دائمة لإنقاذ الذات من التلاشي الكامل.
تتجلى إحدى أهم مفارقات الرواية في التحول التدريجي لمعنى الطيران. ففي البداية يبدو امتيازاً استثنائياً يثير الدهشة وربما الحسد، ثم ينكشف مع الزمن بوصفه عبئاً وجودياً ثقيلاً. وبعد عقود من التشرد وفقدان الذاكرة والتعرض المتكرر للاستغلال، تتجه رغبة جمشيد نحو شيء بالغ البساطة: البقاء على الأرض. ومن خلال هذه المفارقة يعيد بختيار علي تعريف مفهوم الحرية؛ فالحرية الحقيقية ترتبط بإمكانية الاستقرار والانتماء أكثر من ارتباطها بتجاوز الحدود المكانية أو امتلاك قدرات استثنائية. وتتحول الأرض في النهاية إلى رمز للهوية والمعنى والطمأنينة، وإلى الغاية التي ظل البطل يبحث عنها طوال رحلته المضنية.
وتبلغ الرواية ذروتها الرمزية حين يتحول جمشيد إلى كائن معروض داخل قفص للفرجة. فهذه اللحظة تمثل حصيلة مسار طويل من التجريد المتواصل، بدأ بسلب الحرية، ومرّ بتآكل الذاكرة، وانتهى إلى المساس بالكرامة الإنسانية ذاتها. غير أن النهاية تترك مساحة للأمل عبر محاولة استعادة الحياة الطبيعية والعلاج واسترجاع شيء من التوازن المفقود، بما يوحي بإمكانية ترميم الذات رغم حجم الخراب الذي أصابها.
في المحصلة، تقدم رواية عمي جمشيد خان الذي تعصف به الريح والمتسمة بشيء من الكافكوية، رؤية أدبية وفلسفية عميقة لمصير الإنسان في زمن القمع والحروب والمنفى. ومن خلال منظومة رمزية متقنة تجمع بين الواقعي والأسطوري، ينجح بختيار علي في بناء نص تتقاطع فيه أسئلة الهوية والذاكرة والحرية والانتماء. وتتحول الريح إلى صورة للتاريخ حين يقتلع البشر من جذورهم، بينما يغدو الطيران استعارة للتيه الوجودي، وتصبح الأرض رمزاً للمعنى الذي يظل الإنسان يسعى إلى استعادته مهما ابتعد عنه. ولهذا تظل الرواية، في جوهرها، حكاية إنسان فقد مكانه في العالم وظل يبحث عن سبيل يعود به إلى ذاته.
ويبقى في ذهن القارئ السؤال:
هل طار جمشيد فعلاً ؟
وسؤالٌ آخر أكثر قسوة:
كم مرة يمكن للمرء أن يُقتلع من نفسه… قبل أن ينسى من وماذا كان!؟
——-
“عمّي جمشيد خان؛ الذي تعصف به الريح “
النسخة الالكترونية–
147 صفحة
ترجمة: فدوى درويش
مراجعة: رفعت فرج







