جمعية آسو تفتتح مقرها الجديد في هيرنه وتوسع حضورها الثقافي والاجتماعي والمدني

هيرنه – ألمانيا: افتتحت جمعية آسو، يوم السبت 29 آب/أغسطس 2026، مقرها الجديد في مدينة هيرنه بولاية شمال الراين-وستفاليا الألمانية، بحضور جماهيري واسع من أبناء وبنات الجالية الكوردية في المدينة والمناطق المحيطة بها، في خطوة اعتبرتها إدارة الجمعية محطة جديدة لتوسيع أنشطتها وتعزيز حضورها الثقافي والاجتماعي والمدني.

وشهدت مراسم الافتتاح مشاركة ممثلين عن المجلس الوطني الكوردي وعدد من الأحزاب الكوردستانية، إلى جانب ممثلين عن كونفدراسيون الجالية الكوردستانية والاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في سوريا، فضلاً عن عدد من المثقفين والمهتمين بالشأن العام وأبناء الجالية.

وفي مستهل مراسم الافتتاح، رحبت رئيسة جمعية آسو، نوروز إسكان، بالحضور، مؤكدة أهمية المرحلة المقبلة في مسيرة الجمعية، وضرورة العمل على توسيع برامجها وأنشطتها بما يعزز حضورها داخل المجتمع المحلي، ويخدم أبناء الجالية الكوردية في هيرنه والمناطق المحيطة بها.

وشددت إسكان على أهمية الثقافة في الحفاظ على الهوية الكوردية، ولا سيما في مجتمعات المهجر، مؤكدة ضرورة تعزيز حضور اللغة والثقافة والتراث بين الأجيال الجديدة، بما يحافظ على الهوية الثقافية والاجتماعية ويقوي الروابط بين أبناء الجالية.

مقر جديد ومساحة أوسع للعمل المجتمعي

وأكدت إدارة الجمعية أنّ المقر الجديد لن يكون مجرد مساحة إدارية، وإنما سيكون فضاءً مفتوحاً للقاء والحوار وتنظيم مختلف الأنشطة والفعاليات الثقافية والاجتماعية والفكرية.

كما سيشكل المقر مساحة لدعم الشباب وتشجيع مشاركتهم في الأنشطة المجتمعية، إلى جانب تنظيم برامج تدريبية وتطويرية، والمساهمة في تعزيز قيم التعايش المشترك والتواصل بين مختلف مكونات المجتمع في مدينة هيرنه.

وخلال مراسم الافتتاح، ألقى عدد من ممثلي الجمعيات والمنظمات الكوردستانية المشاركة كلمات ركزت على أهمية العمل المؤسساتي المنظم، وضرورة تعزيز التعاون والتنسيق بين المؤسسات والجمعيات الكوردستانية في ألمانيا.

وأشار المتحدثون إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه المؤسسات في تقوية الروابط الاجتماعية، وتقديم الخدمات لأفراد الجالية، وفتح مجالات أوسع للتعاون والعمل المشترك بما يخدم مصالح أبناء الجالية في المهجر.

تجربة بدأت من الثقافة والهوية

ويأتي افتتاح المقر الجديد في سياق مسار من العمل المجتمعي والثقافي الذي بدأته جمعية آسو في هيرنه، حيث جعلت من الحفاظ على الهوية واللغة والتراث الكوردي، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وبناء جسور التواصل مع المجتمع الألماني، ركائز أساسية لنشاطها.

وتُعد الجمعية منظمة مستقلة تأسست عام 2020، فيما برز نشاطها في مدينة هيرنه والمناطق المحيطة بها بصورة متزايدة منذ عام 2021، وسعت منذ انطلاقتها إلى أن تكون مساحة جامعة لأبناء الجالية الكوردية، وأن تقدم نموذجاً للعمل المؤسساتي الذي لا يقتصر على الحفاظ على الموروث الثقافي، بل يتفاعل أيضاً مع الواقع الاجتماعي والمدني في ألمانيا.

وتضع الجمعية الحفاظ على الهوية الكوردية في مقدمة أولوياتها، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن الهوية لا تُصان بالشعارات وحدها، وإنما من خلال اللغة والثقافة والتراث والممارسة اليومية.

ولهذا، تولي الجمعية اهتماماً خاصاً بتعليم اللغة الكوردية للأطفال والكبار، باعتبار اللغة أحد أهم عناصر الحفاظ على الذاكرة والانتماء، ولا سيما بالنسبة إلى الأجيال التي ولدت ونشأت في ألمانيا.

كما تنظم الجمعية فعاليات ثقافية وفكرية تهدف إلى تعريف الأجيال الجديدة بتاريخها وتراثها، والحفاظ على الصلة بين الماضي والحاضر.

نوروز والذاكرة الجماعية

وتحظى المناسبات الوطنية والثقافية بمكانة خاصة ضمن نشاط الجمعية، وفي مقدمتها الاحتفال بعيد نوروز الذي تنظمه سنوياً في مدينة هيرنه.

ولا تقتصر هذه المناسبات على الجانب الاحتفالي، بل تشكل مساحة لاستعادة الذاكرة الجماعية والتعريف بمحطات من التاريخ الكوردي. كما تحيي الجمعية ذكرى مأساة سينما عامودا، وتستذكر انتفاضة قامشلو عام 2004، إلى جانب إقامة فعاليات ثقافية وفكرية متنوعة.

ومن خلال هذه الأنشطة، تعمل الجمعية على نقل الذاكرة إلى الأجيال الجديدة، وترسيخ الوعي بتاريخ الشعب الكوردي وتراثه، والحفاظ على عناصر الهوية من خطر النسيان الذي قد يرافق حياة المجتمعات المهاجرة.

من التضامن الاجتماعي إلى العمل الإنساني

ولا يقتصر نشاط جمعية آسو على المجال الثقافي، إذ تضطلع أيضاً بدور اجتماعي وإنساني من خلال مساعدة أبناء الجالية الكوردية ودعم المحتاجين داخل هيرنه وخارجها.

كما تشارك الجمعية في حملات التضامن وتقديم المساعدات لأبناء الشعب الكوردي في روج آفا، بما يعكس استمرار الروابط الإنسانية والاجتماعية بين أبناء الجالية وموطنهم الأصلي، رغم المسافات والحدود.

ويعكس هذا الجانب من عمل الجمعية مفهوماً أوسع للعمل المجتمعي يقوم على التكافل وتحمل المسؤولية المشتركة، وعدم حصر النشاط في الإطار الجغرافي للمدينة التي تقيم فيها الجالية.

المرأة شريك أساسي في العمل المجتمعي

وتبرز المرأة بصورة واضحة في تجربة جمعية آسو، حيث تحظى بمشاركة فاعلة في أنشطتها وأعمالها المختلفة.

ولا تقتصر مشاركة النساء على حضور الفعاليات، بل تشمل التنظيم والمبادرة والمساهمة في المشاريع الاجتماعية والثقافية. كما توفر الجمعية فرصاً للنساء لتعلم عدد من المهارات، من بينها الخياطة، بما يتناسب مع إمكاناتهن وظروفهن.

ويعكس هذا الاهتمام رؤية تعتبر المرأة شريكاً أساسياً في بناء المجتمع وعنصراً فاعلاً في الحفاظ على الثقافة ونقلها إلى الأجيال القادمة.

الاندماج دون التخلي عن الهوية

ومن أبرز ملامح تجربة الجمعية سعيها إلى الجمع بين الحفاظ على الهوية الكوردية والاندماج في المجتمع الألماني، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن الأمرين ليسا متناقضين.

وتشجع الجمعية أبناء الجالية على المشاركة في الحياة الاجتماعية والمدنية في ألمانيا، وفي الوقت نفسه تحرص على الحفاظ على اللغة والثقافة والتراث الكوردي.

كما تربطها علاقات تعاون مع عدد من الجمعيات والمؤسسات الألمانية، تنظم معها أنشطة ومشاريع مشتركة، بما يساهم في تعزيز الحوار والتفاهم والتبادل الثقافي بين المجتمعين الكوردي والألماني.

وفي هذا السياق، تقوم تجربة الجمعية على فكرة أساسية مفادها أن الاندماج لا يعني الذوبان، وأن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق، بل يمكن للهوية الثقافية أن تكون جسراً نحو المشاركة والتواصل والانفتاح على المجتمع.

من النشاط الثقافي إلى المشاركة المدنية

وامتد نشاط الجمعية خلال السنوات الماضية من المجال الثقافي والاجتماعي إلى المشاركة في الحياة المدنية المحلية.

وفي عام 2025، خاضت جمعية آسو تجربة المشاركة بقائمة مستقلة في انتخابات مجلس الاندماج في مدينة هيرنه، في خطوة عكست رغبتها في الانتقال من المشاركة الاجتماعية إلى حضور أكثر فاعلية في المؤسسات المدنية المحلية.

وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة بالنسبة إلى أبناء الجالية الكوردية، كونها تفتح المجال أمام مشاركة أكبر في النقاشات والقضايا المرتبطة بالمجتمع المحلي، وتعزز حضورهم بوصفهم مواطنين وفاعلين في الحياة العامة.

نحو مرحلة جديدة

ويأتي افتتاح المقر الجديد ليشكل، بالنسبة إلى جمعية آسو، بداية لمرحلة جديدة من العمل، في ظل سعيها إلى توسيع برامجها وتعزيز حضورها داخل الجالية والمجتمع المحلي.

وبعد سنوات من النشاط، تبدو تجربة الجمعية أكثر من مجرد إطار يجمع أبناء الجالية الكوردية في مدينة ألمانية؛ فهي تسعى إلى الجمع بين الثقافة والهوية والعمل الاجتماعي وتمكين المرأة والتعليم والتضامن الإنساني والمشاركة المدنية.

وتظهر هذه التجربة أن الجاليات المهاجرة قادرة على الحفاظ على هويتها الثقافية واللغوية، وفي الوقت نفسه على أن تكون جزءاً فاعلاً وإيجابياً من المجتمع الذي تعيش فيه.

ومن هذا المنطلق، يشكل افتتاح المقر الجديد لجمعية آسو محطة إضافية في مسار تجربة تسعى إلى تحويل الثقافة والهوية إلى جسور للتواصل والمشاركة، وإلى جعل العمل المؤسساتي مساحة تجمع بين الحفاظ على الذاكرة والانفتاح على المستقبل، وبين خدمة أبناء الجالية وتعزيز حضورهم في الحياة الاجتماعية والمدنية في ألمانيا.

اترك ردّاً