كي لا يظلَّ للحياة ظلّ

كيفهات أسعد

قصائد تنحاز إلى قصيدة التجربة، حيث يتجاور الحب والغياب والمنفى والقلق الوجودي في نسيج لغوي كثيف. وتمتلك نصوصها حساسية واضحة في بناء الصورة الشعرية، وإن كانت بعض المواضع تميل إلى فائض الانفعال، فإن صوتها يظلّ خاصًا ومميزًا، ويكشف عن شاعر يكتب من منطقة شخصية عميقة لا من خارج تجربته.

سأمحو ما كتبته أيضًا

سأمحو ما كتبته أيضًا،

فأنتِ فراشةٌ من سحابةٍ
عطشى،

يجلدني عطركِ الفوضوي
كشذا الليل

أو حلمٍ حنون،

سأمحو كل ما كتبته
من وهج الأنوثة،

من كلمات اللهفة
الأولى،

صدى خصركِ على يدي،

أمواج صدركِ على شفتي،

“لافتات” النجاة
تحت غبغبكِ النحيف.

الشعر لا يقول الصدق،

الشعر لا يجمع من
حبّات الندى عقدًا لكِ،

الشعر لا يحرّركِ مني،

لا يقيّدكِ بي،

الشعر لا يُسمع صوت
قدميكِ صداه في دمي.

ولا بجسدكِ المعجون
بأمجاد البنفسج يفخّخ لي نجمة.

كأي نورسة

كأي نورسةٍ تستفيضُ السماءُ أمنياتٍ،

كأي نورسةٍ تراوغُ
العلياءَ بعيونٍ عارية،

بجمالكِ المنفلت،

بشتاءاتِ عينيكِ،

برائحةِ الصلبانِ
في الكنائس،

وبرائحةِ العوسجِ
البري

في باديةِ ماردين.

بطعمِ الكونياك،

بأصغرِ تفصيلةٍ في
جسدكِ المائيّ،

لا اللغةُ تسعفني،

ولا التأويل.

سأقولها بكلامٍ بسيطٍ
كالماء،

وعبر ولهات القصيدة

وانتظار الكلام الجميل
كسرب حمام

كإناث الطيور

وشهقات، أو رائحة
الفرح

تستحم بحروف اسمكِ.

سلسٌ كأغاني الحصاد
سأقول:

أحبكِ.

مستسلمًا لعطرٍ يزرع
الحلمَ حقيقةً

فأنا لا أجيد الكتابة
بالدمع

تحترق على شفتي آخر
كلماتي.

وحزني القديم،

أنا لا أعاني من
أمسي

لا أعاني من الغد

أعاني من يومٍ لا
أسمع فيه صوتكِ….

كائنٌ خمسينيّ

ثَمّةَ كائنٌ خمسينيّ
في مكانٍ ما،

بعيدًا عن أخطاء أبيه.

حزينٌ في مكانٍ ما،

تعيسٌ في مكانٍ ما،

يطمئنّ على أوجاعه
كاملةً،

ويطمئنّ على الطغاة

الذين دخلوا قلبه
مرةً

ثم رحلوا،

كعناكبَ سوداء،

أو كنصفِ حوريةٍ
ونصفِ ملاك.

ثَمّةَ كائنٌ خمسينيّ

ترك التدخين،

والنساء،

والخبز الأسمر والأبيض،

ترك السكر والنشويات.

ينام بقلب طفل،

ويصحو بهِمّة شيخ.

لم يعد يفرّق

بين الوردة وفنجان
القهوة.

لم يعد يلتفت

إلى من انتحرت

بكامل أناقتها،

وبياضها،

وزينتها،

وحُلِيّها،

ومرحها.

في مكانٍ ما،

هناك خمسينيّ

لم يعد يصدّق

“ما الحب إلا
للحبيب الأول”،

ولا يصدّق أناشيد
نيرودا،

ولا أغاني “ملاي
جزيري”.

إنه يهمس في أذن
الموت

بما تعلّمه من الحياة،

كي لا ينسى اسمه،

وأرقام تعريفه

في هذا المنفى.

كي لا يظلّ للموت
ظلّ،

وكي لا يظلّ للحياة
ظلّ.

وقبل أن أدلق فنجاني
الأخير،

وبقلبي المُذاب،

أقول:

أنا كيفهات أسعد.

سينقصني اللغة

سينقصني اللغة اليوم
أيضًا

كي أرسم شغفي الواضح
كقمرٍ صيفي،

كي أكتب أغاني الحياة،

وطيش الطائر في صدري،

سينقصني اللغة

وأنا أكتب عن تدويرة
خصرها،

عن صوتها الرقراق،

ضحكتها،

ونظراتها الخرساء،

سينقصني اللغة وأنا
أكتب عن غَبَش أحلامي،

كي أذرف الشعر مع
الدمع،

على صدرها الشهي،
أو كواكب نهديها،

أن أكتب عن خريف
مدينتي بدونها

عن قلق مدينتي،

التي تدفن رأسها
في نصف سحابةٍ كقطار المساء،

وأقول:

هذا الخريف هامشيٌّ
أيضًا بدونكِ، كأوراقٍ متساقطةٍ تحت شجر التفاح.

أيها الشاعر المتوجّس

أيها الشاعر المتوجّس،

ثَمّةَ عطر سيدةٍ يضيء
شرايين خطاياك،

تكتبك قصيدةً بنشوة
عاشق،

ضع عصبيتك جانبًا

ومزاميرك القصيرة،

واكتب خصرها المزنّر
بزهور

الجبال برومانسية
حزيران،

اكتب عن موسيقى نهديها،

دع شفتيها تغرّر بك
بعفوية الصبي المراهق

وعصبيته.

تغرّر بك بطيبة
“الكوجرية”

وتعصر شهوتك البيضاء
في بداية الصيف

أيها المتوجّس،

نسيت أن تقول لك:

اعتنِ بطواويسي،

أدجّنها كما يدجّن
الناي أحزان الرعيان.

لا أحبكِ

لا أحبكِ كما لو أنكِ مسبحةٌ من الكهرمان أو الياقوت.

لا أحبكِ كسيارةٍ قديمةٍ تتدرّج بغرورٍ وسط زحام المدينة.

أحبكِ بالطريقة الوحيدة التي أتقنها،

تنبت بين ظلّكِ وروحي،

بلا غرور،

بلا مواربة،

كي أستردَّ الواقع من الحلم،

كي أعصر قصائدي بماء الزهر،

وأنقّي كلماتي الرعوية في مدح حزنكِ الجميل،

في مدح امرأةٍ أطحتُ بقلبها كمطرٍ صيفيٍّ في روحي.

فمها برعمُ حبقٍ في شقوق الرخام.

منتشيًا بجمال ضحكتها،

لا تُسعفني اللغة في وصف حزنٍ،

ولا تُسعفني في مدح وردةٍ، أو هدم بيتٍ،

أو مغازلة امرأةٍ لا أحبها.

فأنا في الكتابة فوضويٌّ كما في حبِّ النساء،

وكذئبٍ حزينٍ أعوي وحيدًا. 

أنا فاشل في الحب

أنا فاشل في الحب

كالستائر.

أصمت في حضوركِ كالستائر.

وأنصت لجمالكِ كالستائر.

وحين تفتحين لي ذراعيكِ

أحاول الهروب بكِ كالستائر.

كل النساء

كل النساء اللواتي عرفتهن،

كلهن شبيهاتكِ حين يبتسمن.

ينقرنّ قلبي كالعصافير،

يتزيّنّ بالأنوثةِ،

ورائحة التفاح.

كلهن كحفيفٍ في مزارع عباد الشمس،

سرب نوارسٍ فوق البحيرة.

عاشقات قديمات، وربّات النرجس والأقاحي.

رشيقات،

نحيلات،

طويلات،

كلهن يشبهن عصافيرَ الحب تارةً،

والغزلان تارةً.

لكنكِ
الوحيدة ابنة البحر،

ابنة البرية.

أجملهن بقمرٍ في عتمة،

وشمسٍ في الظهيرة،

أنتِ وحدكِ نقيةٌ كنبتة زعفران.

نهر زنابق، وضوءٌ في نفق.

اترك ردّاً