الأغنية كطبيب لعلاج اليأس، لملهم يعيد الثقة بالذات…

فاضل متين

لم تكن هناك كتابة، بل كان هناك غناء، لم تُقرأ قصصنا، بل سمعت، لهذا كانت الطربيات والسرديات الغنائية الهوية السمعية للكرد والبصمة الثقافية بشكل كبير. أشكال عديدة من أنماط الغناء الكردي ( قصصي، ثوري، مجتمعي، شجني، تصوفي ، طبيعة) غنوا للطبيعة، للمرأة، للطيور، للأشجار، مثل( kevokim lê lê ) (dar hejîrokê) لكن نادراً ما رأينا نتاجاً يقوم على حث الآخر( المرأة خصوصاً)، على حب الحياة ورفع معنوياته، لم يشهد الفن الكردي على حسب اطلاعي على إنتاج أغاني الحب والغزل تتسم بطابع تنموي، معزي، مجبر للخواطر وعلاجي للنفس، باستثناء تلك التي تصف الجسد، تصنفه، تفترسه بالوصف، تغمره بالمجاملة.
لكن الفنان المعروف بلند إبراهيم أراد أنْ يزج هذا النمط النادر إلى جسد الفن الكردي، بتأليفه أغنيتين كاملتين بعدتهما وعتادهما، موسيقى، قصيدة، كليب، إحداها تتغزل بالجمال الفريد للأربعينية والأخرى تتغنى بحسن وهيبة من تجاوزت الأربعين من عمرها وصارت على أعتاب الخمسين.
ربما لو أنّهما تناولتا جسد العشرينية أو الثلاثينية، ووصفتا رقة العشرينية ووقار الثلاثينية، لطافة جمال الأولى وامتلاء الحضور الآسر للثانية لاعتبرتهما أغنيتين عابرتين مثل كثير من الأغاني التي كررت الثيمة ذاتها، والموضوع ذاته والرؤية الشعرية ذاتها.
الأمر واضح، ما يميز الأغنية الغزلية التقليدية هو حضور الجسد البض والقامة المتناسقة، وتطفو عليها الأرداف والأثداء، تبدو المرأة بمجلها مجرد مجسم، صورة تثير الافتتان، هيئة ليس لها مهمة سوى انعاش نظر الذكر وإسالة لعابه وربطه بالحياة أكثر. الأغنية التقليدية المكرسة تستمد طاقتها من الخيال الشعبي من الإرث المتماسك الذي يعيد إنتاج نفسه بصورة لا تخطئ التشبه بنفسها، وهي بالكاد تنبثق من الرغبة، من الغريزة.
غير أنّ أغنيتي بلند إبراهيم
“emrê te Çileye” و” emrê te çilî borî”
كسرتا القالب المألوف للأغنية الغزلية، وغيرتا من رؤيتنا لقيمة هذا النوع من الفن، لكونهما تنطلقان من العاطفة أكثر من الغريزة، الحب أكثر من الشهوة، وتنشغلان بالمرأة وكيانها أكثر مما تتوسلان جسدها وصورتها، ومن هذه النقطة بالتحديد تنبثق قيمة أخلاقية تفتح سؤالاً جديداً عن معنى الفن وأثره في النفس. بل إنها تبث سؤالاً عن الجسد كهوية مستعادة، والآخر كموضوع فني.
لما ذكرت هاتين النقطتين؟ فالجواب ينكشف في سياق الأغنيتين وعنوانيهما( عمرك صار أربعيناً=emrê te Çileye )- ( ها أنت عبرت الأربعين= emrê te çilî borî )
نعرف جيداً أنّ للجسم صيرورته، سياقه البيولوجي، تحولاته الزمنية. حينما يقترب الإنسان من سن الأربعين تبدأ ملامح الشيخوخة بالبروز وتظهر علامات الترهل شيئاً فشيئاً، غالباً ما يؤثر هذا التحول البطيء على نفسية الكائن البشري، تجعله يراقب نفسه، يحتاط من جسده، وقد توقعه في اليأس والحزن الخفي، قد نشهده لدى المرأة أكثر بوصفها جنساً لطيفاً تعودت لأسباب كثيرة أن ترى في جسدها حضورها، صورتها، هويتها. ولأن الجسد يعتبر هوية أساسية تشكل كينونة الإنسان/ المرأة فإنّ للمجتمع معاييره وللجمال أيضاً.
بعد سن الأربعين غالباً ينخفض فيه مقاييس الجمال قليلاً، يبهت بريق الجسد ويخفت حضوره، ولا يعود كما كان أداة للاستدعاء ولجذب العيون. وعلى إثرها قد تبرز تحولات سلبية تسيطر على ذهن بعض النساء، الكثير منهن يبدأن بكره جسدهن، الجسد الذي كان مبعث وجودهن الضروري خذلهن، لم يعد يجلب لهن سوى الطاقة السلبية والانكسار في غفلة من الزمن. مع الوقت يبدو وكأن شرخاً قد حدث، جدارٌ بلوري غير مرئي فصل بينهن وبين الكتلة اللحمية التي تدعى الجسد، حتى المرآة صديقة المرأة الازلية تصبح على حين غرة عدوتها، ما عادت المرآة تعكس جمالها، صارت شاشة صارخة تبث ما تخشى رؤيته.
لكن الأغنية التنموية تبعث طاقة جديدة، تعيد الثقة الهاربة إلى الذات، وعندما ترفع من رصيد المعنويات لدى المتلقي فإنّ المتلقي يكتشف في شخصه عنصراً مميزاً صقله الزمن، روحاً أكثر نضجاً وامتلاءً.
في أغنيتي بلند إبراهيم نجد تلميحات غزلية ذات طابع داعمي، تخفيزي.
(nebêje ez pîr im dil aşiqê Gulê ye =لا تقولي عن نفسك مسنة، إن القلب يعشقك أيتها الوردة)
( keçên cihêl mişene xwedê ne bi can ya te ne=الصبايا الصغار كثر، لكن والله لا يبلغن جمالك).
أو (eşqê çi şole bi Emîrî ye=ما علاقة العمر بالحب؟)
(dil bo te dîn û har e emir tenê hijmare= شاهدي ها قد هام قلبي بك، إن العمر مجرد رقم)

إنّ القصيدة الفنية هنا لم تسعَ لمغازلة جسد أو وصف مشاعر ذاتية، بل توجهت للاحتفاء بالآخر عبر تلميعه، تحفيزه وتثبيت وجوده، ويمكن لأي مهتم أن يلاحظ مدى تأثير كلماتها الإيجابية على النساء اللاتي تجاوزن الأربعين، ومدى نسبة السعادة والرضى التي شعرن بها.
أذكر حينما صادف ميلاد صديقة في الأربعينيات من عمرها يوم أطلق بلند أغنيته الأخيرة (emrê te çilî borî) على اليوتيوب. هشّت وبشّت وشعرت بسعادة غامرة وكأنّها وجدت أغنيتها الضالة، أتخيل أنّها توجهت في الحال إلى المرآة، جدّلت شعرها ووضعت الكحل مرتين وغادرت إلى الطبيعة .
من هكذا صور يتضح أكثر دور الفن الغنائي في التداوي، في رسم خرائط ذهنية جديدة وتدوين مستويات علاجية تغير من مجرى الحياة الخاصة، بل يسهم في ردم الثقوب النفسية وجبر الصدوع الداخلية وكأن الأغنية عيادة نفسية والمغني طبيب مجبر للنفوس ومداوي لانكسارتها.
إن الأغنية الكردية برأيي ليست فقط مشهداً فنياً يقام في المسارح وصوتاً مؤنساً يريح المزاج ويهز الأجساد، إنما حاملاً ثقافياً يدون تاريخ المجتمع ويحفظه من التلف والغياب. تاريخٌ مدجج يبدأ بأغاني “اللاوك وحيران ودلال” التي كانت بمثابة عربات التراث وخزائنه، نقلت الحكايا والملاحم الشعبية، ودشنت ذاكرة شعب يتماسك بفضل فنه السمعي، إلى نوّاحيات “عيششان” وبكائياتها الموجعة، “عيششان” التي أرضخت العقلية القبلية لتقبل حقيقة أنّ المرأة ليست سوى حكاية، أغنية لم يعرفوا كيف يتقنوا سماعها، إلى أشجان بيتوجان الحزينة التي تسري رعشة لطيفة مؤذية في جلد من انجرف مع الزمن وتاه في تفاصيل الحياة الملهية. ومحمد شيخو، صوت السهول والآفاق والأمداد، كأن الريح تواطأت مع حنجرته لرمي مستمعيه إلى فضاء أبعد، حرية تنتظره هناك. وماذا عن أغاني الثورة والنضال، شفان برور، كُلستان، جوان حاجو، ناصر رزازي وتحسين طه؟ عدد لا يحصى من مولدي الوعي القومي وشاحذي الحماس. وأغاني الرقص التي لا تتوقف حتى لو أمطرت السماء الرصاص وكأن العالم سيتحول إلى مجزرة لو توقف الرقص.
وأخيراً وليس آخراً الأغنية التحفيزية المداوية التي انضمت أيضاً إلى الأرشيف المتنوع للفن الكردي، الأغنية التي تعيد الاعتبار للجسد المقصى، وتؤكد للمرأة الكردية بأنها جسد لا يشيخ وجمالٌ لا يفنى.

*رابط الأغنيتين على اليوتيوب
https://youtu.be/uHfORZjRxOA?si=oELM5PVRcKA_Dg4N