“الجوزة الخضراء لجدتي” للشاعرة دنيا مردان
ترجمة وتقديم: خضر سلفيج

الجوزة الخضراء لجدتي: الذاكرة والفقد والمصالحة مع المطر
الدكتورة دنيا مردان شاعرة وأستاذة جامعية، تلتقي في تجربتها الكتابية بين الحسّ الشعري والاهتمام بالإنسان وعلاقاته وأسئلته الداخلية. وهي تنتمي إلى الوسط الأكاديمي في جامعة صلاح الدين بأربيل، ضمن قسم الخدمة الاجتماعية في كلية الآداب، وقد تناولت في إحدى دراساتها المنشورة العلاقة بين الأم والابنة، وما يطرأ عليها من تحولات في الحياة المعاصرة.
ولعلّ هذا التداخل بين الشاعرة والأكاديمية يمنح نصّها حساسية خاصة تجاه العلاقات الإنسانية، ولا سيما العلاقات التي تتكوّن في منطقة شديدة التعقيد بين الذاكرة والعاطفة والإرث النفسي. ومن هذا المنظور جاءت قصيدة “الجوزة الخضراء لجدتي” بوصفها نصًا يتجاوز الحديث عن جدة بعينها، ليعيد بناء عالم كامل من الذاكرة والمرأة والفقد والذنب والحب والوطن.
حين قرأتُ القصيدة، شعرتُ منذ البداية أنني أمام نص لا يروي حكاية جدة فحسب، بل يستعيد عالمًا كاملًا من حياة النساء وآثار النكبات التي عبرت أيامهنّ. فالجدة في هذه القصيدة ليست شخصية عابرة في سيرة الشاعرة؛ إنها ذاكرة متجسدة، ووعاء لحكايات نساء الحيّ، وفي الوقت نفسه مصدر للحب وللجرح معًا.
ما استوقفني في النص أكثر هو ذلك التوتر العميق بين القرب والعتاب. فالشاعرة تقول:
“أنا لا أحبّ جدتي”
ثم تعود، في مواضع أخرى، إلى مخاطبتها مباشرة:
“قولي شيئًا”
“صالحيني مع المطر”
“عودي إليّ”
وبين الجملتين تتشكّل علاقة شديدة التعقيد: ليست حبًا خالصًا، ولا خصومة خالصة، وإنما محاولة طويلة لفهم ما تركته الجدة في روح حفيدتها، وما بقي من أثرها بعد الغياب.
وتحمل القصيدة كذلك حساسية شعرية واضحة في تعاملها مع الطبيعة. فالفراشات، والمطر، والريح، والبرق، والجبل، والبحر، وشجرة السرو، والبنفسج، والريحان، ليست عناصر لتزيين النص، بل تتحول إلى لغة ثانية للذاكرة والوجع. النهر يحمل، والمطر يغدر ثم يصير سبيلًا إلى المصالحة، والريح تقتلع، والزهرة تمطر من العين. وهنا تصبح الطبيعة نفسها شريكة في بناء التجربة الشعرية.
أما سبب إقدامي على ترجمة هذه القصيدة، فيعود إلى أنني لم أستطع أن أتعامل معها بوصفها نصًا بعيدًا عن القارئ العربي. ففي عمق خصوصيتها الكردية، وجدتُ تجربة إنسانية تتجاوز حدود اللغة: طفولة تبحث عن معنى لما لم يُقَل، وامرأة ترث آثار من سبقنها، وحفيدة تحاول أن تفهم حبّها وجدعَها في آن، ثم تحاول، بعد الفقد، أن تجد طريقًا إلى المصالحة.
ولم تكن ترجمة القصيدة سهلة. فالنص مكتوب بالسورانية، وفيه صور واستعمالات محلية ذات حمولة ثقافية لا يمكن دائمًا العثور لها على مقابل عربي جاهز. لذلك كان التحدي الحقيقي هو: كيف أكون أمينًا للنص من دون أن أجعله غريبًا على العربية، وكيف أجعله شعريًا في لغته الجديدة من دون أن أكتب قصيدة عربية بديلة؟
لهذا اخترتُ أن تكون الترجمة أقرب إلى الأصل في بنيته وصوره وتكراراته، مع منح العربية قدرًا من الحرية يسمح لها بأن تتنفس بوصفها نصًا أدبيًا مستقلًا. وحين واجهتُ صورة محلية أو تعبيرًا يحتمل أكثر من دلالة، فضّلتُ قدر الإمكان ألا أفرض عليه معنى عربيًا مغلقًا، لأن بعض غرابة النص جزء من خصوصيته، وليس عيبًا ينبغي محوه.
ولا أدّعي أن الترجمة تستطيع أن تنقل كل ما في الأصل من ظلال وإيحاءات؛ فالقصيدة الشعرية تفقد بالضرورة بعضًا من موسيقاها حين تعبر من لغة إلى أخرى. غير أنني حاولت الحفاظ على نبرة الشاعرة، وعلى صوتها الأنثوي في خطابها إلى جدتها، وعلى التكرار الذي يمنح القصيدة إيقاعها النفسي، وعلى الخيط الرفيع الذي يصل بين الجدة والطفولة والذنب والفقد والوطن والمطر.
وأظن أن أحد أجمل جوانب القصيدة هو أنها لا تنتهي إلى مصالحة كاملة ولا إلى قطيعة كاملة. فالشاعرة تبقى معلّقة بين الحب والعتاب، بين الذكرى والغياب، وبين الرغبة في الشفاء واستحالة الشفاء. ولهذا تأتي النهاية شديدة الكثافة:
“لا أموت بكِ،
ولا أشفى منكِ.“
وهي، في رأيي، ليست مجرد خاتمة للقصيدة، بل خلاصة لتجربة كاملة: أن يبقى الإنسان مرتبطًا بما يؤلمه، وأن يصبح الفقد شكلًا آخر من أشكال الحضور.
لهذا ترجمتُ “الجوزة الخضراء لجدتي”؛ لأنها، في النهاية، ليست قصيدة عن الجدة وحدها، بل قصيدة عن الذاكرة حين تتحول إلى ميراث، وعن الحب حين يعجز عن الانفصال عن ألمه، وعن الإنسان حين يحاول أن يقول بعد فوات الأوان ما لم يستطع قوله في الوقت المناسب.

الجوزة الخضراء لجدتي
الجوزة الخضراء لجدتي،
كانت تحمل في داخلها
حكايات جميع نساء الحيّ!
وكانت قد طرقت أبواب
كلّ نكباتهنّ،
وسيرةَ جميع آثارهنّ السوداء
كانت تراها…
لكنها لم تعرف قطّ
طيران الفراشات!
كنتُ طفلة،
ولم تكن جدتي تضع الجوزة على سرّتي،
خشية أن يسودّ
موضعُ سرّتي!
ولم تكن تقول لي قطّ:
إنّ الطيران في خضمّ الفوضى
خسارة!
لم تكن تقول لي
إنّ طيران فراشتين
يفجّر شرايين الفرح،
وينتزع قلبي
من جذوره!
لم تكن تقول لي:
لا تسافري عبر تلك الصخور الوعرة!
فعند العودة
لن تحتضني سوى الفراق!
لم تكن تقول لي…
أن أرمي حفنة الحجارة
التي في يدي،
ولا أن أمدّ منها
صفعةً واحدة،
وأقول:
ما سرّ هذا الحبّ المرير؟
آه… أنا أحبّها.
لم تكن تقول لي:
لا تسندي نفسك إلى صدر الجبل،
فتغرقي في غزل البحر،
ولا تصبحي حكايةً للنوارس!
زينةُ رأس جدتي…
كانت تحمل كلّ فوضاها في داخلها،
لئلا تقع على أرواح أبنائها
فتنهشهم…
لكنها لم تكن تحمل قطّ
حبّة قرنفل واحدة
من حَلْيتها “حەتحەتۆکە”
إلى الفتيات،
لتقول لهنّ:
لا تنسين حكايات ملكاتكنّ!
أنا لا أحبّ جدتي.
لم تكن تقول لي:
إنّ شرارة البرق
تعبر القلب،
وتقتل الإيمان،
وتدفنه تحت جذع شجرة السرو.
لم تكن تقول قطّ:
إنّ صقيعَ نَفَسٍ بارد
يسقط الجمال…
فيتفتّت الوجود،
وتفنى الروح…
كانت جدتي تقول فقط:
ما أجمل أن يكون الإنسان «عيسى»!
كوجع جذع شجرة،
أشعلوا النار في خضرته!
كسرمدية أطلالٍ
سافرت بهدير أكتافها!
كجدار غريب،
ليس له أحدٌ
سوى الله!
كطفلةٍ
أفلتت يدها في سماء!
كذلك السؤال
الذي أغضب الله!
كفرٌ،
يشوي كبدي على سيخ،
وككبابٍ فوق جمرٍ هائج،
يذيبني، تك… تك،
قطرةً قطرة…
كأنني درويشة،
ترقص في الظلام
رقصةَ ذنب،
فيضمّني الخيال…
خيالٌ:
إلهٌ رحيم،
بحضنٍ مملوءٍ بالنور،
وموسيقى تشبه الطبيعة،
وصوتٍ سماوي…
يطوف، يطوف حولنا،
ثملًا بلطف الله،
فيصالحني…
كنتُ ألوانًا،
في حضن البراعم وأوراق الأشجار،
جئتُ من جذور التراب،
وقد ألفتُ اللون.
كان ذلك ذنب جدتي، جدتي…
لم تكن تقول لي:
في الصباح
سآخذ وردةً حمراء
من إنجانة عشقي،
وفي المساء…
أُودع بنفسجةً في الأرجوان،
وأضع ريحانةً سوداء
على صدري.
لم تكن تقول لي:
دعيني أغرق
في صورةٍ متجمّدة،
وألهي نفسي بالألوان،
لئلا يعثر عليّ الظلام…
أو أُصعق نفسي بالصوت،
خشية أن تدرك الفوضى
ذهول روحي!
لم تكن تقول لي:
إنّ الإيمان سيادة!
أنا لا أحبّ ذنب جدتي.
لم تكن تقول لي:
إنّ كبدي يحترق،
وقلبي، وهو يتفتّت،
يلقي كلّ يوم
قشرةً من لا إيماني!
كانت جوزة جدتي
تحمل في داخلها
حكايات جميع نساء الحيّ،
إلا حكايتي أنا.
أنا لا أحبّ ذنب جدتي.
لم تكن تقول قطّ:
إنّ هذه السماء
قد غضبت كثيرًا…
وتحبس ضباب الأمان،
ويهطل مطرها
منتهكًا سترنا.
أنا لا أحبّ ذنب جدتي،
لم تكن تقول لي:
أنتِ تأتين من الجمال،
وتمرّين عبر روحي.
يا وحيدة الألفة في روحي…
حوّلي لحظة هذا المساء
إلى قطعة سكر…
وألبسي هذا الزمن المستحيل
قميصًا بنفسجيًّا،
ودعيه يَبلى عليّ
حتى أموت.
قولي شيئًا
في قافلة سفري هذه،
ليعيدني إليكِ،
وليعلّمني كيف أعيش…
دعيني أرى الألوان
مثلما ترينها أنتِ…
ودعيني
أفرد جناحيّ
فوق مينا الزمان،
الذي أنهكته الوحدة…
قولي شيئًا.
امنحيني لونًا من الحياة،
ففي نسيج هذا الخلق
اكتسيتُ لون الموت…
قولي شيئًا،
ليظلّ في ذاكرتي
قبل الموت،
وكي لا أموت
وحيدة!
قولي شيئًا.
إنّ قدري المملوء بالنكبات
ممتلئٌ بالخيبة…
كنتِ تريدين أن تقولي شيئًا،
لكنّك لم تلحقي
كلمةً واحدة.
لم يكن سهلًا أن أسمعكِ
وسط فضاء الخليقة
وضجيجها!
فأنتِ، بصمتٍ،
طويتِ جناحيكِ،
وبهدوء…
تركتِني
في مساءٍ من الظلام.
لقد شتّتِني أنتِ!
قولي شيئًا.
دعيني أسمع صوتكِ،
فذلك المساء
حملني نهر،
واختطفتني قصيدة،
وخلط نَفَسٌ أنفاسي،
وقتلتني قطعة حجر،
وأغرقني بحر!
وظلّت أشجار السرو
تدوّخني إلى الأبد.
ومنذ ذلك المساء
حنّطتكِ في داخلي،
ولا يبلغكِ عفريتُ أيّ زمانٍ
قطّ…
كان لي صديق… صديق،
صديقٌ أخذتِ لونه…
ونسمة ريحٍ
لفّت نفسها…
وعاصفةٌ من المطر
أغرقتكِ
في حبّة قمح،
وفصلٌ من الغدر
أهلككِ.
كانت لي أخت… أخت،
أحرقتها الريح،
وقطعت زهرة الأسد يدها،
ثم التفّ نباتٌ متسلّق
حول عنق الراية،
وعلّقها إلى الأبد
على صليب شجرة طوبى.
كان لي طفل… طفل،
وفي ضيق العمر
حملتِ “توان”
إلى السماء.
كانت لي أمّ،
كنتُ أرى نفسي
في عينيها!
تعالي…
إنّكِ أنتِ ذاتكِ،
ترقصين حول وجودي
في بيت العمر اليابس،
ولذلك
أنا موجودة!
أنا عاجزة،
كجوالةٍ تائهةٍ حائرة،
وفي الظلام…
أمسكي لي كتفًا صغيرًا
أستند إليه،
وخُذيني معكِ
إلى السماء.
دعيني أضع كلّ ما في قلبي
من شكوى
بين يدي الله.
لقد جئتِ من الجمال،
وعبرتِ الروح…
قولي لعينيكِ:
ليملآني منكِ،
وقولي لقلبكِ:
ليفعل ذلك من أجلي،
وليلقِ جراحي بعيدًا.
أنا، على امتداد النهار،
فكري وذهني عندكِ…
وفي ساعة الصفاء
تأتين إلى نومي،
وحين أمشي في الطريق
تمشين في خيالي،
وحين أرى زهرةً
تأتين أمام عينيّ…
أيّ نفسٍ أنتِ،
حتى إنني لا أعيش من دونكِ؟
وكيف أنتِ بنفسجةٌ،
تحتملين كلّ هذه المرارة
في قلبي!
وأنتِ، حتى من بعيد…
أيّ عمرانٍ
سكبتِه في روحي!
قولي لذكرياتكِ
التي تركتِها:
لا تغدروا بنا،
ودعونا
نعيش معًا
في هذا النسيج.
أنا حاملة ذنوب
رحمتكِ،
تلك الذنوب
التي حتى الله يغار منها!
أنا في حضن
أيامكِ المتساقطة،
فمن أكون في ظنّكِ
حتى تتركي لي
كلّ هذا الحمل من المحنة؟
من أين جئتِ
بكلّ هذه الطلاسم السماوية؟!
أنا بقايا أملٍ
لم يأتِ بعد،
أملٍ
لا أراه،
ولا أراكِ ثانيةً،
حتى أقول لكِ:
تركتِني…
والآن
أنا
أكثر وحدةً
من الله…
صالحيني مع المطر،
دعيني أسجد
لذلك الغضب
الذي سمّر خطواتي،
ولا تدعيه
يحسب نفسه مظلومًا!
قولي لقطرات المطر:
أن ترفع أيديها
عن عنق غربتي،
حتى تمطر زهرةً
من عينيّ!
صالحيني مع المطر،
وقولي له:
كان ذلك
آخر خريف،
أعطيته نَفَسَين،
وترك لي
شهقتين.
صالحيني مع المطر،
وقولي له:
إنّ حضور الريح
يشبه بركانًا متجمّدًا،
ممتلئًا بالحقد والحسد…
نَفَسان،
وخطوتان،
ولم يبقَ لي
سوى شهقتين…
عودي إليّ،
وصالحيني مع المطر،
يا وطني…
آه، كم أنا مسمومةٌ بكِ!
لا أموت بكِ،
ولا أشفى منكِ.
25/10







